بالوعود المتأرجحة وفتات المائدة في الشهر الفضيل ..سجناء محاصرون شمال سوريا

داماس24 |كفريا و الفوعا | رنيم الددش

لم تبقى كلمة في قواميس اللغة العربية تحمل دلالة البؤس والجوع والقهر والحرمان إلا ووصفت حالهم، حتى أصبحت هذه الكلمات تبدي تململها وضجرها ،صائم قلبهم عن الإحساس بهم وكأنما أيضا يثقبون أغشية طبل آذانهم عمداً لعدم الإصغاء إلى آنين عانق السماء، أما العيون فتغض الطرف عنهم وتبقى عين الله وحدها معهم وعليهم .

أسهم الإشارات هذه إلى وعن وحول أهالي بلدتي كفريا والفوعة المحاصرتين من قبل جبهة النصرة الإرهابية، البلدتان المنسيتان في إدلب شمال سوريا، البلدتان اللتان فرض عليهما أقسى طوق منذ أكثر من ثلاث سنوات في تصنيف لأقسى قضية حصار في القرن ٢١ ، الطوق الشائك الذي لم يكسر حتى اللحظة لإنعدام أي منفذٍ أو ثغرةٍ تعيد لهم الحياة وتنتشلهم من بحر موت وهنا أخطئ من شبه حصار هاتين البلدتين بحصار لينين غراد الروسية (سان بطرسبرغ حاليا) حيث كان للأخيرة منفذاً بحرياً يصلها عبره مواد ومؤون غذائية .

يبدأ الشهر الفضيل على هؤلاء السجناء المحاصرين وتغيب عنهم طقوس الشهر ويبقى واجب العبادة ، وعند آذان المغرب يفطرون على فتات مائدة وبحضور لأنصاف عائلة .

تقصد (أم محمد) شبيه السوق داخل بلدة الفوعة، تبتغي في اليوم الأول من رمضان أن تكسر ما اعتادت أن تقتاه هي وابنتها في كل مرة (المجدرة)، وتود أن يكون الإفطار (رز وشاكرية)، تعود على عجل والأكفُ فارغة بعد أن لحظت إنعدام في المواد وندرة لمواد يرتفع ثمنها وكأنما أعطيت عيدان من الثقاب جعلتها تورى بغير إنطفاء، فالكيلو الواحد من /الرز/ يصل سعره إن وجد إلى ثلاثة ألاف ليرة سورية والكيلو الواحد من /اللبن / يرتفع سعره أيضا إن وجد إلى ألفين وخمسمئة ليرة سورية أما مادة /اللحمة/ فتغيب أشهر وتعود وإن عادت لن يقل سعر الكيلو الواحد منها عن( ١٢٠٠٠)ألف ليرة سورية، وهذا مايجعل مشهد البيوت وهي فارغة من المواد الغذائية يعوم ،خصوصا بعد تعنت وتمنع المجموعات المسلحة من السماح للقوافل الغذائية للدخول إلى البلدتين المحاصرتين حيث كانت المرة الأخيرة التي سمحت فيها للقوافل من الدخول يوم الخميس الواقع ٢٠١٧/٩/٧ أي منذ حوالي تسعة أشهر .

تعلق (أم محمد )آمالها على مجيئ (طائرة الشحن اليوشن) التي تقوم بإلقاء مظلات تحمل موادا إغائية إنسانية بين الحين والآخر، تضمر(أم محمد)أمنية أن تلقي الطائرة في هذه المرة /مادة السكر/علها تحظى بشرب كأس من الشاي بعد الإفطار بقليل من السكر، المادة التي إن وجدت أيضا داخل البلدتين يصل سعرها إلى /٧٠٠٠ ألاف ليرة سورية/ للكيلو الواحد .

ولاترى (أم محمد ) في الطائرة حلاً جذريا لمشكلة حصارهم فهي لاتنقلهم من حالة العدم إلى الوفرة بل من العدم إلى الغرامات ،لاسيما أن مدى سقوط المظلات من الجو إلى الأرض يتجاوز /٦كيلو متر/ وهذا مايتسبب في تلف المظلات ومحتوياتها في بعض الأحيان ناهيك عن أن المجموعات المسلحة تجعل من هذه المظلات هدفا لقناصاتها ورشاشاتها أثناء سقوطها في كل مرة وتبعد لقمة عن بطون خاوية، يضافُ إلى أن حمولة ووزن الطائرة لاتستطيع أن تلقي لهم أي شيئ يرغبون بالحصول عليه ،فلن تستطيع تلك الطائرة أن تلقي /أسطوانات من الغاز/ فالمحاصرون السجناء لليوم/١١٠٢/ على التوالي يستخدمون ماتيسر لهم من الحطب والخشب للطهي عليه.

تصل /مادة السكر / بعد شهرين للمحاصرين وتتلقى (أم محمد) مااعتادت أن تتلقاه هي والمحاصرين أمثالها،/٥٥٠غ/حصة للفرد الواحد من هذه المادة توزع مجانا.

تأمل في اليوم الثاني أن تلقي الطائرة(مادة الخبز) فمن المفروض أن تلقى هذه المادة مرتين في الأسبوع بحصة ربطة واحدة للشخصين ،العوامل الجوية والرياح القوية والتي عصفت بلمنطقة قبل أيام حالت دون قدومها لأيام ولم يكن بوسع ( أم محمد) وقرائنها إلا أن يهمون صباحاً لصنع الخبز بأنفسهم.

تخرج (أم محمد) هي وأبنتها ريم إلى شرفة المنزل بعد الإفطار مصطحبة (الراديو)، تتأمل إبنتها ريم (٢٣عام) وتتأمل الجوار والمحيط وتقول لأمها “ماما تعي شوفي بيوتهم للضيع يلي حولينا كلها فيها كهرباء ومنورة الدنيا عندهم إلانحن صرلنا أكثر من ٣ سنين ماشفناها” تتنهد مع غصة في القلب، فقبل أسابيع ضاع مجددا حلم الخروج من داخل أسوار الحصار لتكمل جامعتها التي حرمت منها بفعل إطباق الحصار وضاع حلم لقائها بوالدها الذي كان متواجداً في دمشق بحكم عمله هناك قبل أن يقطع المنفذ البري الوحيد والذي يربط مدينة إدلب بالبلدتين عندما باتت مدينة إدلب والطريق تحت سيطرة قوى المعارضة المسلحة في عام ٢٠١٥ ،و كان من المفترض أن تخرج وأمها ضمن عوائل لم الشمل في الحافلات التي وصلت إلى البلدتين قبل أسابيع تنفيذ لإتفاقية جديدة تنص على إخراج ١٠٠٠ من المدنيين معظمهم مرضى وجرحى وعوائل لم الشمل كمرحلة أولى يليها إجلاء للمحاصرين بشكل كامل قبل بدء شهر رمضان مقابل خروج إرهابيي مخيم اليرموك وعوائلهم إلى إدلب اللذين وصلوا بأمان، إلا أن عدم وجود ضامن يكفل سلامة وتأمين الحافلات التي سوف تقل الأهالي من الفوعة وكفريا عبر طريق للمسلحين حال دون خروج أي أحد وخرجت الحافلات فارغة خوفا من تكرار ما أقدمت على فعله المجموعات المسلحة في نيسان الماضي عندما فجرت الحافلات بركابها من أهالي البلدتين وارتكبت مجزرة في الراشدين قرب حلب ، وكان الإتفاق أيضا آنذاك ينص على إجلاء كامل إلا أن المجوعات الإرهابية سمحت بخروج ٥٠٠٠ وافتعلت بهم المجزرة وأغلقت المعبر بوجه الباقين ولم تستكمل الإتفاقية.

ترقب ريم الحلول المطروحة لبلدتها إن كان عسكريا بوصول الجيش العربي السوري لهم أو سياسيا كفتح ممر آمن بحماية روسية تركية كما سرب في آستانة، لايهمها في الأمر إلا أن تدخل هذه الحلول حيز التنفيذ والتطبيق فأي تأخير لم يعد يصب في مصلحتهم خصوصا بعد قلة المواد الغذائية وإرتفاع حالات مرضى فقر الدم .

تضع ريم حدا للتفكير بمستقبلها ومصير بلدتها ، وتعاود إشغال الراديو وفي الأثناء يطرق باب المنزل إبن الجيران (علي ٤سنوات) وترسم عيناه الزرقاوان إبتسامة على ثغرها، وتعاود الإصغاء إلى البرنامج الإذاعي،عن “الآكلات رمضانية ” يمر على مسمع (علي) ذكر لكلمة (معروكة رمضان ) يحاول أن يستفهم من (ريم) التي راحت تشرح وتشرح ….وبعد قليل يمر على مسمعه مرة أخرى كلمة (تفاحة ) لكنه لم يطلب تفسير فهو سبق له أن شاهدها بصورة وسمع عنها إلا أنه لم يتلذذ بطعمها ويقول (بس شفت تفاحة بيوم من الأيام بدي آكلها نيئة).

(علي) وكغيره من الأطفال السجناء المحاصرين خلقوا في الحصار فوجدوا أنفسهم في زنزانة، وكل مايحلمون به أن يسارع الجميع للبت بحكم بغير ذنب أو إثم قد إقترفوه، كثيرة هي القصص المشابهة والتي تماثلت داخل البلدتين فهل سيبقى الأهالي هناك يتجرعون مهدئات من الوعود المتأرجحة “عرمضان الفرج ،ب١٥ رمضان في حل لإلكن ،عأول العيد ،عراس السنة في طلعة ،عالصيف”.

وهل سوف يحظى هؤلاء بلقاء أحبة قطعت الإتفاقيات أوصالهم وأبقت زوجات داخل الحصار بغير معيل، وأزواج داخل الحصار بغير أطفالهم وزوجاتهم ؟

وهل سوف تكون العائلة الواحدة متواجدة على نفس المائدة في رمضان العام القادم ؟وهل سوف يبصر الأطفال المحاصرون ويتذوقوا مااشتهوه وحرموا منه ؟

رابط مختصر: https://www.damas24.com/j6iqe
تعليقات
Loading...